واصل مانشستر يونايتد صحوته اللافتة، محققاً فوزه الثالث توالياً منذ تولّي مايكل كاريك مهمّة المدرب الموقت، عقب رحيل البرتغالي روبن أموريم. مباراة درامية بكل المقاييس في «أولد ترافورد»، انتهت بانتصار مثير، أكّدت أنّ الفريق استعاد شيئاً من روحه المفقودة، وإن ظلّ طريقه محفوفاً بالأسئلة.
بعد عودة مذهلة لفولهام في الوقت بدل الضائع، حين أدرك التعادل 2-2 في الدقيقة 90+1، بدا أنّ يونايتد على وشك إهدار انتصار جديد. لكنّ البديل بنيامين شيشكو كان له رأي آخر، إذ أطلق تسديدة رائعة استقرّت في الزاوية العليا، مفجّراً المدرجات ومعلناً فوزاً ثميناً أعاد الفريق إلى المركز الرابع، متقدّماً على تشلسي وليفربول في سباق التأهل إلى دوري أبطال أوروبا.
الهدف الافتتاحي ليونايتد لم يمرّ من دون جدل. الحَكم احتسب بدايةً ركلة جزاء بعد سقوط ماثيوس كونيا إثر تدخّل من خورخي كوينكا داخل المنطقة. تدخّل تقنية الفيديو ألغى القرار، لكنّ الحكم عاد واحتسب مخالفة على كوينكا نفسه بسبب شدّ القميص عند حافة المنطقة. من الركلة الحرّة الناتجة، أرسل برونو فيرنانديش كرة متقنة قابلها كاسيميرو برأسه بقوّة، معيداً الكرة عكس اتجاه الحارس بيرند لينو إلى الشباك.
في الدقيقة 56، بدا أنّ يونايتد حسم الأمور، حين استثمر كونيا تمريرة كاسيميرو وأطلق تسديدة قوية سكنت المرمى. غير أنّ فولهام رفض الاستسلام. هدف لكوينكا أُلغي بداعي التسلل بعد مراجعة الفيديو، ثم حصل الفريق اللندني على ركلة جزاء قبل 5 دقائق من النهاية إثر عرقلة هاري ماغواير لراؤول خيمينيز، نفّذها الأخير بنجاح.
ومع توتر واضح في صفوف أصحاب الأرض، اندفع فولهام إلى الأمام، وسجّل البديل كيفن من هدف التعادل بتسديدة رائعة في الدقيقة 90+1. لكنّ الإثارة لم تتوقف هنا، فبعد 3 دقائق فقط، أنهاها شيشكو بلمسة قاتلة بعد عمل مهاري من فيرنانديش، في ختام لا يُنسى لمباراة مفتوحة على كل الاحتمالات.
كيف سيعوّض يونايتد كاسيميرو؟
مباراة جديدة تفتح الباب مجدداً أمام سؤال شائك: كيف، ومَن، سيعوّض كاسيميرو في الصيف؟ هناك مبرّرات مالية واضحة لعدم تفعيل بند تمديد عقده، نظراً إلى راتبه المرتفع وتقدّمه في السن. لكنّ الحقيقة أنّ يونايتد قد يفقد لاعب ارتكاز دفاعي من الطراز الرفيع، لا يزال قادراً على التأثير في طرفَي الملعب.
هدفه في الدقيقة 19 أبرز إحدى الصفات التي سيشتاق إليها الفريق: القوّة الهوائية في الكرات الثابتة. صعوده فوق الجميع ليقابل كرة فيرنانديش كان لحظة أعادت تذكير الجماهير بقيمته، وجعلت «أولد ترافورد» يحتفي به.
صحيح أنّ دقّة تمريراته في الشوط الأول لم تكن مثالية (أخطأ في 6 تمريرات من أصل 26)، لكنّ ميله الدائم للعب إلى الأمام، بدلاً من الخيار الآمن، أظهر شخصيّته القيادية. عانى أحياناً في التغطية، كما في لقطة سمحت لإيميل سميث رو بالتحرّك بحرّية بين الخطوط، لكنّه عوّض ذلك لاحقاً بتدخّلات حاسمة إلى جانب ماغواير.
شجاعته في التمرير كانت مفتاح الهدف الثاني، حين أرسل كرة بينية متقنة إلى كونيا. وعندما غادر الملعب ودخل مانويل أوغارتي بدلاً منه، بدا الفرق واضحاً. فولهام أصبح أكثر جرأة وسهولة في الاختراق، ونال ركلة الجزاء التي أعادته إلى أجواء المباراة.
وصفه إريك تن هاغ سابقاً بأنّه «الإسمنت بين الحجارة»، وهذا الوصف لا يزال صالحاً. كاسيميرو عنصر توازن وتنظيم، واستبداله سيكون تحدّياً حقيقياً أمام إدارة التعاقدات في يونايتد.
اختبار الدفاع المتكتل
لطالما قيل إنّ يونايتد فريق انتقالي يُجيد اللعب في المساحات، لكنّه يعاني أمام الدفاعات المتراجعة. بعد الفوز على مانشستر سيتي وأرسنال، اعتُبرت مواجهة فولهام الاختبار الحقيقي لفترة كاريك الموقتة: كيف سيكسر فريقاً لا يغامر بخط دفاع متقدّم؟
الإجابة جاءت عبر الكرات الثابتة. الهدف الأول كان مثالاً واضحاً على ذلك، ضمن نهج بات شائعاً هذا الموسم في الدوري الإنكليزي. أرسنال يتصدّر هذا المجال، لكنّ يونايتد ليس بعيداً منه.
كاريك يحاول بناء خليط هجومي مرن. براين مبومو لعب مجدّداً كمهاجم صريح شكلي، يتحرّك بمرونة، يهاجم المساحات أحياناً ويتراجع للربط أحياناً أخرى. إذا كان دفاع فولهام خزنة مغلقة، فإنّ يونايتد كسرها أولاً بمطرقة الكرة الثابتة، ثم حاول فتحها تدريجاً باللعب المتنوع.
لماذا كان الهدف الأول مثيراً للجدل؟
ماركو سيلفا، مدرب فولهام، عاش déjà vu مؤلماً في «أولد ترافورد». غضبه انفجر مجدداً بسبب قرار تحكيمي، ما كلّفه بطاقة صفراء. اعتبر أنّ ركلة الجزاء المحتسبة أولاً كانت «قراراً كارثياً»، وزاد استياؤه حين تحولت إلى ركلة حرّة انتهت بهدف.
الإعادة التلفزيونية أوضحت أنّ شدّ القميص كان خارج المنطقة، ما يجعل القرار النهائي صحيحاً من الناحية القانونية. لكنّ سيلفا رأى أنّ الحكم «بحث عن خطأ آخر» بعد إدراكه سوء التقدير الأولي. توتره استمر عندما أُلغي هدف آخر لفريقه بداعي التسلّل، فقابل القرار بتصفيق ساخر.
هل أصبح يونايتد أكثر شراسة؟
تحت قيادة كاريك، بدا يونايتد أكثر ميلاً للدفاع المتأخّر والالتحامات القوية بدلاً من الضغط العالي. الفريق يتراجع غالباً إلى 4-4-2 مدمجة، ويعتمد على قطع الهجمات في لحظات مفصلية، حتى لو تطلّب الأمر أخطاء تكتيكية.
هذا الأسلوب يحمل مخاطره، كما ظهر في ركلة جزاء الدقيقة 85، وفي المساحة التي مُنحت لكيفن ليسجّل التعادل. لكنّ الردّ السريع بهدف شيشكو عكس روحاً هجومية تمنح الفريق القدرة على تعويض الهفوات.